زكريا القزويني

144

آثار البلاد واخبار العباد

هذه المدينة هل يتمّ أم لا ؟ فرأى في منامه قائلا يقول له : إنّك تبني هذه المدينة ويذهب صيتها في الآفاق ، ويسكنها من الناس ما لا يحصى عددهم ، وتختلط الرياح الطيّبة بهوائها ويصرف عنها السموم ، ويطوى عنها شدّة الحرّ والزمهرير ويكعم عنها الشرور حتى لا يصيبها من الشياطين خبل ، وان جبلت الملوك إليها جنودهم لا يدخلها ضرر . فأتى الإسكندر موضعها وشاهد طيب هوائها وآثار العمارة القديمة وعمدا كثيرة من الرخام ، فأمر بحثّ الصّنّاع من البلاد وجمع الآلة واختيار الوقت لبنائها ، فاختاروا وقتا وعلّقوا جرسا حتى إذا حرّك الجرس الصنّاع ، يضعون البناء من جميع أطرافها في وقت واحد ، فإذا هم مترقّبون طار طير وقع على الجرس فحرّكه فوضعوا البناء . قيل ذلك للاسكندر فقال : أردت طول بقائها وأراد اللّه سرعة خرابها ، ولا يكون إلّا ما أراد اللّه فلا تنقضوها . فلمّا ثبت أساسها وجنّ الليل خرجت من البحر دابّة وخربت ما بنوا ، فلم يزل يحكمها كلّ يوم ويوكل بها من يحفظها ، فأصبحوا وقد خربت . فأمر الإسكندر باتّخاذ عمد عليها طلسم لدفع الجنّ ، فاندفع عنها أذيّتهم . قال المسعودي : الأعمدة التي للطلسم عليها صور وأشكال وكتابة باقية إلى زماننا ، كلّ عمود طوله ثمانون ذراعا ، عليها صور وأشكال وكتابة ، فبناها الإسكندر طبقات تحتها قناطر بحيث يسير الفارس تحتها مع الرمح . وكان عليها سبعة أسوار ، وهي الآن مدينة كثيرة الخيرات ، قال المفسّرون : كانت هي المراد من قوله تعالى : وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوّآ لقومكما بمصر بيوتا . وكان بها يوم الزينة واحتجاج موسى والسحرة . وكان موسى قبل الإسكندر بأكثر من ألف سنة . بها مجلس سليمان ، عليه السلام ، قال الغرناطي : إنّه خارج الإسكندريّة ، بنته الجنّ منحوتا من الصخر بأعمدة الرخام لا مثل لها ، كلّ عمود على قاعدة